صبحي الصالح

98

مباحث في علوم القرآن

بحيث لا يكون في السورة الواحدة إلا قول واحد متّفق عليه « 1 » : فهذا الاختلاف هو الذي أثار تلك المعارضة العنيفة لكتابة العناوين في فواتح السور . لكن حدة المعارضة ما لبثت أن خفت « 2 » ، فلم يقنع الناس بكتابة تلك العناوين بل طفقوا يفتنّون في تنميقها وتذهيبها حتى أوشك الجهال أن يعتقدوا أنها جزء لا يتجزأ من الوحي القرآني . ولما أباح الناس لأنفسهم كتابة الرموز الفاصلة بين الآيات ، ثم تجرءوا حتى على كتابة العناوين في رؤوس السور ، لم يعد ممكنا منعهم من الذهاب في تجويد المصاحف كل مذهب ، وقد بدا لهم أن من تجويدها تجزئتها وتحزيبها ، وراحوا يلتمسون على ذلك أدلّة من الروايات المأثورة . قال الزركشي : « وأما التحزيب والتجزئة فقد اشتهرت الأجزاء من ثلاثين كما في الربعات بالمدارس وغيرها . وقد أخرج أحمد في مسنده وأبو داود وابن ماجة عن أوس بن حذيفة أنّه سأل أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حياته : كيف تحزّبون القرآن ؟ قالوا : ثلاث ، وخمس ، وسبع ، وتسع ، وإحدى عشرة ، وثلاث عشرة . وحزب المفصّل من « ق » حتى « يختم » « 3 » . وقد أسهم الخطاطون في تجويد المصاحف وتحسين كتابتها ، ويقال : إن الخليفة الوليد ( من سنة 86 إلى سنة 96 ه ) اختار لكتابة المصاحف خالد بن أبي الهيّاج الذي كان مشهورا بجمال خطّه وهو الذي خط المحراب في المسجد النبوي بالمدينة « 4 » . وقد ظلّ الخطاطون يكتبون المصاحف بالخط

--> ( 1 ) وانظر في ( الاتقان 1 / 18 - 23 ) الاختلاف حول مكية بعض السور ومدنية بعضها . وسنعرض لهذا البحث في مبحث ( المكي والمدني ) . ( 2 ) تجد في كتاب المصاحف لابن أبي داود ص 158 وما بعدها وصفا لموقف المعارضين والمتساهلين في كتابة هذه العناوين والرموز . ( 3 ) البرهان 1 / 250 وهكذا شاعت قسمة القرآن إلى ثلاثين جزءا . وطبعت أحيانا هذه الأجزاء مستقلة تيسيرا على صغار التلاميذ في المدارس . ثم شاعت قسمة كل جزء إلى جزءين ، وقسمة الحزب إلى أربعة أرباع . ( 4 ) انظر الفهرست لابن النديم ، ص 6 ط . فلوجل سنة 1871 .